محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

41

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

الرسالة الإلهية الخالدة . إن كلّ واحدة من هذه القصص مركبة تماما على قاعدة البنية السيميائية المذكورة آنفا . وفي كل واحدة منها نلاحظ انبثاق البطل الذي سيتلقى الرسالة ويستخدم المعرفة المتضمّنة فيها لكي يغيّر مجرى الوجود البشري ومعناه النهائي باعتباره مرتبطا باللّه وتعاليمه . هنا نواجه الكثير من القضايا النظرية المتعلّقة بالمسلمات الابستمولوجية لنظرية تاريخ الأشكال الألمانية الأخيرة ( الجشطلت ) ومجرياتها الفيلولوجية ، والمتعلقة أيضا بمناهج النقد الأدبي ، والنظرية السيميائية الخاصة بالمنشإ البنيوي للمعنى ، والمنظورات التي فتحها التحديد الانتربولوجي للأسطورة . وهو تحديد استشهدنا به كعبارة مقتبسة في مستهل هذه الدراسة . إن كلّ هذه المسائل النظرية مع مجريات التحليل ، أو التقطيع ، الفصل أو الوصل بين مختلف أشياء المعرفة إنما يحتاج إلى أن يناقش بعناية ، واحتمالا إلى أن يمزج مع بعضه البعض ، ويعدّل ويغنى أو يخصب ضمن المنظور المعرفي للعقل الاستطلاعي الجديد المنبثق حاليا . هناك القراءة الألمانية العمودية طبقا لمجاز التنزيل ، أي نزول كلام اللّه من السماء إلى الأرض . وهناك القراءة الأفقية ، الزمانية ، المكانية ، الوضعية المفروضة من قبل النقد التاريخي الحديث ، مع تركيز خاص على التاريخية الجذرية أو الراديكالية لكل شيء له علاقة بالوجود البشري ، بما فيها الموضوعات الدينية . إننا نقف أمام هاتين الرؤيتين ، فكيف نوفّق بينهما ؟ أو : كيف نقيم علاقة تمفصلية بينهما ؟ كان التفسير الإسلامي القروسطي قد احتوى على العديد من الإشارات إلى القصص ، والروايات ، وأسماء الأنبياء ، والأبطال الأدبيين المستعارين من مصادر وذاكرات جماعية خارجية بالنسبة للتراث العربي أو القرآني « 1 » . وهذا العمل الشائع للمفسّرين لم يؤثّر في المكانة الإلهية للوحي . نقول ذلك على الرغم من أنه اندلعت آنذاك معارضة ضد استخدام الإسرائيليات أو اللجوء إليها . في الواقع ، إن مفهوم التاريخية كما بلورها علم التاريخ الحديث تظل تشكّل ما ندعوه بالمستحيل التفكير فيه بالنسبة للتفسير التقليدي والفكر التأريخي القديم في آن معا . فهما يخلطان عموما بين القصص الأسطورية والحقائق التاريخية المعزولة عن سياقها . ونلاحظ اليوم أن بعض المعلقين أو الكتّاب يحاولون الحدّ من التأثير القضائي أو القانوني للآيات التشريعية عن طريق القول بأنها أو حيت بروح زمانها وتلبية لحاجات ومتطلبات المجتمع العربي في زمن النبي . وبحسب رأي هؤلاء المصلحين ، أو المجدّدين ، فإن التفسير العملي أو البراغماتي للآيات التشريعية لا ينبغي أن يؤدي إلى أي مراجعة للاهوت الوحي التقليدي . إنّ كلّ تناقضات الفكر الإسلامي المعاصر وترقيعاته الايديولوجية ونواقصه العلمية

--> ( 1 ) أنظر الكتاب التالي للباحث ياروسلاف ستيتكيفيتش : محمد والغصن الذهبي : إعادة تركيب أسطورة عربية : ، Myth Arabian Bough . Reconstructing Golden the and Muhammad : Stetkevych Jaroslav . 1996 ، Press Univercity . California